شرح العقيده والايمان بالله وتعريف الصحيح لها من الكتاب والسنه
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الابتلاء وتحقيق معاني الحكمة الإلهية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد فريد الزهيرى
Admin


ذكر عدد المساهمات : 183
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 10/07/1968
تاريخ التسجيل : 01/09/2011
العمر : 49
الموقع : عقيد المسلم الصحيحه وعقيد والايمان

مُساهمةموضوع: الابتلاء وتحقيق معاني الحكمة الإلهية   الأربعاء يونيو 04, 2014 10:40 pm

الابتلاء وتحقيق معاني الحكمة الإلهية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.
 العلة في إعلام الملائكة بخلافة الإنسان .
الحكمة أو العلة في إعلام الله  للملائكة وإبليس باستخلاف الإنسان في أرضه كما ذكر البيضاوي أن ذلك كان امتحانا لهم وإظهارا لفضله ( ) ، ليرى موقفهم ممن استخلفه في أرضه دونهم بعد أن كرمه وهيأ الكون من أجله بعدله، وشق له من اسمه ووصفه فكانت الأسماء عند تجردها تمثل قدرا مشتركا بين الله وعبده، وإن كانت عند إضافتها تمثل قدرا فارقا في توحيد الله  الذي ليس كمثله شيء، وبناء على موقف الملائكة وإبليس، أو بتعبير آخر بناء على رد فعلهم تجاه حكمة ربهم سوف يتحقق فيهم العدل والإنصاف كما تحقق للإنسان في قضية الاستخلاف، فإعلام الله  لهم باستخلاف الإنسان إنما هو اختبار وامتحان يترتب عليه تقرير المصير وبيان حكمة الله  في سائر ما يخصهم من أنواع التدبير .
لما قال الله  للملائكة:  إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَليفَةً  [البقرة:30]، كان رد فعلهم أن قالوا لربهم:  أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لكَ  [البقرة:30]، والرد المتوقع من الملائكة ومعهم إبليس أن يكون بخلاف ما صدر منهم، كأن يقولوا مثلا: أنت ربنا والكل عبيدك افعل بنا أو بغيرنا ما تشاء إنك أنت العليم الحكيم . أما قولهم:  أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ، تعميم لم يستثنوا فيه أحدا حتى الرسل والأنبياء أو خاصة العباد من الأولياء، وإن قيل إنهم استعملوا القياس بين من سبق من الجن وما يكون عليه الناس فالإفساد في الأرض وسفك الدماء وجب أن يحمل على الظن أو الاحتمال لا على القطع بوقوع السوء من الأفعال، وقد رد الله  عليهم ذلك بقوله:  قَال إِنِّي أَعْلمُ مَا لا تَعْلمُونَ  [البقرة:30]، وقد أثبت لهم أن الإنسان بأوصافه التي جعلت للابتلاء مناسب لاستخلافه لاسيما لو علمه الأسماء:  قَال يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلمْ أَقُل لكُمْ إِنِّي أَعْلمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ  [البقرة:33] .
روي عن ابن عباس  أنه قال: (إياكم والرأي فإن الله تعالى رد الرأي على الملائكة وذلك أن الله قال:  إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً  [البقرة:30]، قالت الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيه، قال: إني أعلم ما لا تعلمون) ( ) .
كما أن قول الملائكة:  وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لكَ  [البقرة:30] فيه ذكر لأنفسهم بالفضل وكمال العبادة والله  أجل من أن يخفى عليه شيء من أفعال عباده .
وقولهم أيضا فيه تلميح بالرغبة في تولي الخلافة بدلا من الإنسان، وتقليل من شأنه بإمكانية الإفساد والعصيان، ومعلوم أن الراسخين من العابدين إذا بلغ خضوعهم أعلاه كشأن النبي S عندما تورمت قدماه لا يذكرون عبادتهم لله بمدح وافتخار؛ بل يذكرونها على وجه التقصير والافتقار والذل والانكسار، فقد روى البخاري من حديث المغيرة بن شعبة  أنه قال: (قَامَ النَّبِيُّ S حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيل لهُ: غَفَرَ اللهُ لكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، قَال: أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا) ( ) .
والقصد أن رد الملائكة ومعهم إبليس لم يكن على النحو المطلوب، وليس ذلك شأن المحب في سلوكه مع المحبوب، فسبحانه وتعالى علام الغيوب ومقلب القلوب، يتدارك بفضله من شاء من خلقه، ويذل من شاء بعدله في ملكه، وحكمته في خلقه تفوق التصور والحدود ولهذا ابتلاهم الله  جميعا بالسجود فقال:  اسْجُدُوا لآدَمَ ، أمرهم بذلك ليختبرهم ويرى مدى صدقهم في قولهم:  وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لكَ  [البقرة:30] .
 كيف علمت الملائكة أن الخليفة سيفسد في الأرض؟
من الصعب الجزم بإجابة معينة لهذا السؤال لأنه لم يرد نص صريح يبين كيف علمت الملائكة أن الإنسان سيفسد في الأرض أو يسفك الدماء؟ فالسؤال موجه أيضا للملائكة أنفسهم كتعقيب على ردهم. وهناك أقوال أخرى للمفسرين كقول بعضهم: علمت الملائكة ذلك من الجن لأنهم أسبق من الإنس فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء، لكن ذلك يفتقر إلى دليل صحيح مرفوع ( ) .
وقيل: علموا ذلك لأن الله هو الذي أخبرهم مسبقا بأنه سيخلق الإنسان ليفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ فهناك إضمار في الكلام إظهاره أنه قال لهم: إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: ربنا ما يكون ذاك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا، فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ( ) .وهذا بعيد جدا لأنه لو كان اعتماد القائلين ذلك على ظاهر الآية فقط، فإن ذلك من قبيل التأويل بغير دليل ولا يدل عليه ظاهر النص ولا لوازمه، فلا يقبل مثل هذا الكلام إلا بدليل صحيح مرفوع، ولهذا عقب ابن جرير على هذا الرأي بقوله: (وهذا إذا تدبره ذو الفهم علم أن أوله يفسد آخره وأن آخره يبطل معنى أوله، وذلك أن الله جل ثناؤه إن كان أخبر الملائكة أن ذرية الخليفة الذي يجعله في الأرض تفسد فيها وتسفك الدماء فقالت الملائكة لربها: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ فلا وجه لتوبيخها على أن أخبرت عمن أخبرها الله عنه أنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء بمثل الذي أخبرها عنهم ربها) ( ) .
وقد قال بعضهم أيضا إن الملائكة الذين قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء خلقوا من نار السموم، وكانوا من قبيلة إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السماوات أو الذين خلقوا من نور، فلما علمت الملائكة الذين خلقوا من نور مؤاخذة الله على الذين خلقوا من نار السموم فيما تكلموا به من علم الغيب الذي لا يعلمه غيره والذي ليس لهم به علم، قالوا سبحانك تنزيها لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره، تبنا إليك لا علم لنا إلا ما علمتنا كما علمت آدم، فقال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم أيها الملائكة خاصة إني أعلم غيب السماوات والأرض ولا يعلمه غيري، وأعلم ما تبدون أو ما تظهرون، وما كنتم تكتمون يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار ( ) .
لكن هذا الرأي يحتاج إلى دليل واضح من السنة تطمئن إليه النفس، ولم أجد فيما وقع تحت يدي نصا صحيحا مرفوعا في الموضوع، وكل ما ورد فيه مقال، مثل ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة عن أنس  قال: (قال رسول الله S: إن أول من لبى الملائكة قال الله: إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء قال: فزادوه فأعرض عنهم، فطافوا بالعرش ست سنين يقولون: لبيك لبيك اعتذارا إليك، لبيك لبيك نستغفرك ونتوب إليك) ( ) .
وهناك قول آخر وهو الأقرب عندي إلى الصواب لأنه مبني على معنى الخلافة ولا يحتاج إلا إلى المقارنة والنظر، فالملائكة علمت ذلك من معنى الاستخلاف نفسه لأن المستخلف في الشيء أمين عليه فيمكن أن يؤديه إلى صاحبه ويمكن أن يستحوذ عليه ،ويستأثر به لنفسه ظلما وكفرا بالحقوق، فالعاقل يعلم أن الاستخلاف يلزم منه أن يكون المستخلَف لديه إمكانية الوفاء وأداء الأمانة إلى صحبها أو الغدر والقتل وسفك الدماء؛ فالملائكة علمت أن الإنسان يمكن أن يفعل ذلك لو استخلفه الله في الأرض، وهي عن نفسها ترى التعظيم المطلق لله  وهي أقدر على عدم العصيان، من أجل ذلك قالت:  أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  [البقرة:30]، وكأنها تقول إن أردت أن تستخلف فاستخلف من لا يعصيك .
 هل الملائكة كانت مستفسرة أم مستنكرة؟
سياق النص يقتضي الاستنكار وشأن الملائكة يقتضي الاستفسار كما ذكر الله  وصفهم في القرآن فقال:  وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلداً سُبْحَانَهُ بَل عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْل وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  [الأنبياء:26/27]، وقال:  لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  [التحريم:6] .
والجواب أنه لا شك أن الملائكة الذين خاطبهم الله  بقوله:  وَإِذْ قَال رَبُّكَ للمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَليفَةً  [البقرة:30]، هم الذين خاطبهم بقوله:  وَإِذْ قُلنَا للمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْليسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ  [البقرة:34]، لأن الله  جمع الخطابين في موضع واحد فقال:  وَإِذْ قَال رَبُّكَ للمَلائِكَةِ إِنِّي خَالقٌ بَشَراً مِنْ صَلصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْليسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ  [الحجر:28/31]، فإبليس كان بين القائلين:  أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لكَ قَال إِنِّي أَعْلمُ مَا لا تَعْلمُونَ  [البقرة:30]، ومن ثم فإن قولهم:  أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ  قول مشترك لم يصدر من الملائكة فقط الذين خلقوا من النور ولكن صدر أيضا من إبليس الذي خلق من النار وله حكم الملائكة في مشاركة الخطاب والجواب، قال ابن كثير: (لما أمر الملائكة بالسجود لأدم دخل إبليس في خطابهم لأنه وإن لم يكن من عنصرهم إلا أنه كان قد تشبه بهم وتوسم بأفعالهم فلهذا دخل في الخطاب لهم وذم في مخالفة الأمر) ( ) .
ومن ثم فإن الاستنكار كان من إبليس لأن امتناعه عن السجود كشف عن سريرته وظهر حقده على آدم وذريته، وقد بين الله  غروره واستكباره وتشكيكه أيضا في حكمة الله تعالى؛ حيث رأى نفسه أنه والملائكة أفضل لهذه المنزلة الرفيعة التي وصل إليها الإنسان، أما الملائكة الذين خلقوا من نور فموقفهم كما ذكر ابن كثير: (إنما سؤالهم سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون: يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ولا يصدر منا شيء من ذلك وهلا وقع الاقتصار علينا؟) ( ) .
لكنهم بقولهم هذا كانوا يرغبون أن يكون الخليفة في الأرض على صفة الطاعة المطلقة لا يعصي الله أبدا، ولما كانت هذه صفتهم فهم أولى بهذا الوصف من الإنسان، ولذا قالوا ما معناه: لو أردت أن تستخلف استخلف من لا يعصيك، يعنون أنفسهم .
ومهما كان المعنى فإن الملائكة كانوا يرون الاقتصار عليهم في مسألة الاستخلاف خشية أن يعصي الإنسان ربه ويسفك الدماء، والله  أجل من أن يعصي، وكان إبليس يرى أنه والملائكة أولى بهذه المنزلة الرفيعة التي تميز بها الإنسان عمن حوله من الكائنات، فكان جواب الله لهم جميعا أته قال:  قَال إِنِّي أَعْلمُ مَا لا تَعْلمُونَ ، فالله حكيم في فعله والإنسان الذي خلقه الله ليستخلفه في الأرض سوف يعطيه إمكانية العلم بجميع الأشياء التي يتمكن بها من التمييز بين ما ينفعه وما يضره، ويزداد بزيادة العلم معرفة وخشية وقربة من ربه، كما قال تعالى:  إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلمَاءُ  [فاطر:28] .
ومن ثم علم الله آدم  أسماء الأشياء من حوله وعرفه كيف يزداد بمعرفة خصائصها قربة من ربه، ومن ثم يزداد بذلك خشية لله  وتعظيما فقال :  وَعَلمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلى المَلائِكَةِ فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  [البقرة:31]، أي صادقين في أنه لا يعرف إلا القتل وسفك الدماء .
قال ابن جرير الطبري في معنى الآية: (أنبئوني بأسماء من عرضته عليكم أيتها الملائكة القائلون: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء من غيرنا أم منا فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، إن كنتم صادقين في قيلكم أني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عصاني وذريته وأفسدوا وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني واتبعتم أمري بالتعظيم والتقديس) ( )، ثم يبين ابن جرير أن الله قال لهم فإنكم إن كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتهم عليكم من خلقي وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم، وعلمه غيركم بتعليمي إياه فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد بعد وبما هو مستتر عن أعينكم من الأمور الموجودة أحرى أن تكونوا غير عالمين؛ فلا تسألوني ما ليس لكم به علم فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي، وقوله:  قَال إِنِّي أَعْلمُ مَا لا تَعْلمُونَ ، يعني بذلك - والكلام ما يزال لابن جرير - إني أعلم أن بعضكم فاتح المعاصي وخاتمها وهو إبليس منكرا بذلك تعالى ذكره قولهم، ثم عرفهم موضع هفوتهم في قيلهم ما قالوا من ذلك بتعريفهم قصور علمهم عما هم له شاهدون عيانا؛ فكيف بما لم يروه ولم يخبروا عنه بعرضه ما عرض عليهم من خلقه الموجودين يومئذ؟ وقيله لهم أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أنكم إن استخلفتكم في أرضي سبحتموني وقدستموني، وإن استخلفت فيها غيركم عصاني ذريته وأفسدوا وسفكوا الدماء فلما اتضح لهم موضع خطأ قيلهم وبدت لهم هفوة زلتهم أنابوا إلى الله بالتوبة، فقالوا:  سُبْحَانَكَ لا عِلمَ لنَا إِلا مَا عَلمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَليمُ الحَكِيمُ  ( ) .
• لماذا أمرت الملائكة بالسجود لآدم؟
قد يسأل سائل عن العلة في أمر الله  للملائكة بالسجود لآدم ، ولِم لَم يكن الأمر بالسجود له سبحانه بدلا من آدم؟ من المعلوم أن السجود لغير الله شرك أكبر وظلم عظيم كما قال تعالى:  وَإِذْ قَال لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لظُلمٌ عَظِيمٌ  [لقمان:13]، والشرك في الأصل مبني على معنى التشبيه، فتشبيه المخلوق بالخالق شرك في العبادة، وتشبيه الخالق بالمخلوق شرك في أسماء الله وصفاته والتشبه بالخالق شرك في الربوبية، وقد يكون كل نوع من هذه الثلاثة شركا أكبر أو أصغر على ضوابط معلومة في الكتاب والسنة . والسجود لغير الله من النوع الأول وهو شرك أكبر لا يغفر إلا بالتوبة، أما إن كان السجود لغير الله بأمر الله  فهو من أعظم علامات المحبين الصادقين، بل هو برهان الموحدين؛ لأن أحكام المحبة تقتضي تنفيذ أمر المحبوب دون استفسار أو سؤال، والتنفيذ يعطي العبودية معنى الكمال، لما فيه من إذلال النفس لأمر معبودها وخالقها، ولذلك كانت الأحكام التعبدية من علامات الصدق في أداء العبودية، فتقبيل الحجر بأمر الله أو الطواف سبعا ببيت الله أو صلاة الظهر والعصر والعشاء أربعا بالتحديد على سنة رسول الله S من علامات الموحدين الصادقين في دعوى العبودية، وإن كانوا يجهلون العلة في ذلك، كما ثبت عند البخاري من حديث عمر بن الخطاب ، أَنَّهُ جَاءَ إِلى الحَجَرِ الأسْوَدِ فَقَبَّلهُ، فَقَال: (إِنِّي أَعْلمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ S يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلتُكَ) ( ) .
ولذلك اقتضت حكمة الله  أن تكون أحكام التكليف على نوعين: نوع فيه علة الأمر معلومة وعليها يدور الحكم حيث دار، كعلة تحريم الخمر عند وجود الإسكار، ونوع تعبدي لا علة له إلا إثبات الطاعة لله  وخضوع النفس بالذل والانكسار، وشعورها بالحب عند إذلالها بالعبودية لسيدها ومالكها، ومن ثم فإن أمر الله  للملائكة وإبليس على وجه الخصوص بالسجود لأدم  له عدة أسباب أظهرت الحكمة الإلهية في أفعال الله تعالى، وقد تجلى أبرزها فيما يلي:
أولا: أن يعلم الإنسان مكانته عند الله  وعظم المهمة التي كلفه بها والتي من أجلها أسجد له ملائكته؛ فيدفعه ذلك إلى الطاعة والإيمان والتفكر بإمعان أبعد هذا الفضل والتكريم يتجرأ عاقل على الكفر والعصيان؟ .
ثانيا: أن أمر الله  بالسجود لآدم ابتلاء للملائكة واختبار لهم في إظهار مدى صدقهم لما قالوا لربهم:  وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لكَ ، فكانت حقيقة الابتلاء في قول الله  لهم:  اسْجُدُوا لآدَمَ ، وهو أمر تكليفي وحكم تعبدي اختياري حتى لو كان بالسجود للإنسان، شأنه في ذلك شأن التخيير في الطاعة أو العصيان.
وما نعنيه هنا أن أمر الله للملائكة بالسجود لآدم أمر تكليفي وحكم تعبدي، فمن سجد منهم فقد صدق في قوله وكشف عن مراده، ومن امتنع كان ادعاؤه للتسبيح والتقديس كذبا وزورا وعلوا واستكبارا وانطبق عليه ما ورد في قول الله تعالى:  وَمَنْ يَقُل مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلكَ نَجْزِي الظَّالمِينَ  [الأنبياء:29] .
ثالثا: أن سجود الملائكة لآدم  إقرار منهم بمنزلة الإنسان وتعظيم لدوره في حمل الأمانة وابتلائه بين الكفر والإيمان، وأنه خليفة الله  في أرضه على وجه الابتلاء، وأنه الوحيد الذي ميزه وكرمه وفضله على كثير من المخلوقات، فهو القائم على أرض الله  بأمره وشرعه، وهو المستفيد منها إلى قيام الساعة بمشيئته وبإذنه، فمن سجد لآدم  أقر بذلك، ومن امتنع منهم كان معترضا على فعل الله  مشككا في عدله وحكمه .
رابعا: أن أمر الله  لملائكته بالسجود لآدم  لا يدل فقط على مطالبتهم بالإقرار وتعظيم الإنسان الذي كرمه الله، ولكن سجودهم سيتبعه تكليف جديد يقومون من خلاله بالقيام على تدبير الكون وضبط أموره وتدبير شئونه اللازمة لتحقيق استخلاف الإنسان في الأرض، والقيام أيضا على أمور الكائنات من حوله لكي تظل مسخرة منفعلة له إلى يوم القيامة، ثم يتولون تدبير أموره أيضا في دار الجزاء سواء بتعذيبه إن كفر أو إكرامه إن شكر، وأنهم إذا سجدوا لن يعصوا لله أمرا في تدبير الكون وشئونه، ويفعلون ذلك خاضعين غير مستكبرين، فأبدوا بذلك الاستعداد التام لأمر الله في تدبير شئون الحياة .
والله  له مطلق التدبير في ملكه، وهو سبحانه قادر على ألا يجعل الملائكة أسبابا غيبية لتدبير خلقه، وأن يتركهم على وضعهم الأول قبل نزول الإنسان على أرضه فمشيئة الله في خلقه مشيئة مطلقة يقول للشيء كن فيكون، وهو قادر على أن يسير الأشياء بالأسباب المعهودة المشهودة في ترابط العلل والمعلولات، أو يسيرها بدون أسباب كالمعجزات وخوارق العادات، لكنه جعل الملائكة أسبابا غيبية لتدبير معيشة الإنسان كالأسباب المشهودة التي يحكمها الزمان أو المكان، وكلاهما عند الله  في حكم الابتلاء سيان .
وتلك حكمة الله في أن يبتلي الملائكة بالإنسان من جهة، ويبتليه بهم كتشريف لهم في ثاني ركن من أركان الإيمان من جهة أخرى، فانظر كيف أرسل الله  جبريل  في صورة أعرابي يجلس بين الصحابة  ليعلمهم دينهم فيسأل النبي S عن الإسلام والإيمان والإحسان، فمن أركان الإيمان، الإيمان بالملائكة وبدورهم وشرفهم وفضلهم ومكانتهم عند الله  .
فلما سجدوا لآدم وأقروا بمكانة الإنسان قسمهم الله ونوعهم، وكلفهم ووجههم، كل في عمل بالغ التخصص، فهم بأمر الله  قائمون على شئون الإنسان، يدبرون أمره على نحو ما جاء في القرآن، قال تعالى في وصفهم:  لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  [التحريم:6]، وقال عن خوفهم من ربهم:  يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  [النحل:50] . والله  اقتضت حكمته أن يجعل فريقا من الملائكة مكلفا بتبليغ كلامه ووحيه إلى الأنبياء والمرسلين، وجعل على رأسهم الروح الأمين جبريل ، قال تعالى: وَإِنَّهُ لتَنْزِيلُ رَبِّ العَالمِينَ نَزَل بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلى قَلبِكَ لتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ  [الشعراء:192/195]، وبهذا الوحي يذكر الله  الإنسان بفطرته، ويشرع لكل مستخلف منهجه في رعيته .
كما جعل الله  فريقا منهم للعد والإحصاء سماهم حفاظا كراما كاتبين فقال:  وَإِنَّ عَليْكُمْ لحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلمُونَ مَا تَفْعَلُونَ  [الانفطار:10/11]، جعلهم على عمل الإنسان قائمين يرقبون ويسجلون ويدونون ويمحصون ويدققون لا يغادرون صغيرة أو كبيرة من سعيه وكسبه، قال تعالى:  إِذْ يَتَلقَّى المُتَلقِّيَانِ عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَال قَعِيدٌ مَا يَلفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  [ق:17/18]، وهم يحاسبون الإنسان يوم القيامة على ما استرعاه الله من الأمانة، وعندها يشعر المؤمن يوم القيامة بالعزة والكرامة ويتقلب الكافر وقتها في الحسرة والندامة، حتى إذا جاء كافر يوم القيامة تعجب من دقة حسابهم ومدى قدرتهم على تسجيل الأعمال كما قال رب العزة والجلال:  وَوُضِعَ الكِتَابُ فَتَرَى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلتَنَا مَال هَذَا الكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلمُ رَبُّكَ أَحَداً  [الكهف:49] .
إن القلب ليخشع عندما يرى طلاقة العدل والكمال والحكمة والعظمة والجلال في أن يكلف الله  الملائكة بالسجود لآدم  تعظيما له، ويكلفهم في المقابل بالإشراف على محاسبته تعظيما لهم، بل كلفهم بالقيام على قبض الأرواح وانتزاعها واستدعاء الإنسان من عالم الشهادة إلى عالم الغيب وجعل على رأسهم مَلكَ الموت، قال تعالى:  حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ  [الأنعام:61]، وجعل منهم خزنة الجنان قائمين على أمور المؤمنين، وجعل منهم أيضا الموكلين بالنيران، ملائكة غلاظ شداد على رأسهم خازنها مالك كما بين الله  ذلك فقال:  وَنَادَوْا يَا مَالكُ ليَقْضِ عَليْنَا رَبُّكَ قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ للحَقِّ كَارِهُونَ  [الزخرف:77/78]، وقال:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  [التحريم:6] . وقد جعل الله  منهم أيضا أهل الإغاثة والنصر للقتال مع المؤمنين، وجعل منهم الموكل بالمطر، والموكل بالجبال، والموكل بحضور مجالس الذكر، والموكل بالنطفة في الرحم حتى حملة العرش ومن يطوف حوله منهم لهم صلة وثيقة بالإنسان؛ فهم بالإضافة إلى تسبيحهم وعبادتهم لله  يدعون للتائبين والمؤمنين الصالحين، قال تعالى:  الذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ للذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُل شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلماً فَاغْفِرْ للذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ  [غافر:7/8] .
ومن حكمة الله في أمر التدبير أنه كلف كل يوم ملكين ينزلان من السماء يدعوان للإنسان أو عليه، يدعو أحدهما لكل منفق والآخر يدعو على كل ممسك، فعند البخاري من حديث أبي هريرة  أن النبي S قال: (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ إِلا مَلكَانِ يَنْزِلانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلفًا وَيَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلفًا) ( ) .
وتفصيل ما ذكر في القرآن والسنة عن الملائكة يضيق المقام عن ذكره، والقصد أن الملائكة جميعا سجدوا لآدم  كما ورد النص بذلك في قوله تعالى:  فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ  [الحجر:30]، وكلهم قائمون على أمور الإنسان يدبرون العالم من أجله تنفيذا لمراد الله وأمره، يقومون بواجبهم مقرين بخالقهم مسلمين لحكمته  فيما يدبرون: لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  [التحريم:6]، ونظرا لعظمة دورهم وعدل الله  في ابتلائهم أقسم سبحانه بهم تشريفا لهم وتكريما فقال:  وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا فَالمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا  [النازعات:5:1] .
قال ابن القيم: (كل حركة في السموات والأرض من حركات الأفلاك والنجوم والشمس والقمر والرياح والسحاب والنبات والحيوان فهي ناشئة عن الملائكة الموكلين بالسموات والأرض) ( ) .
وهكذا بدت حكمة الله  في الأشياء من خلال معاني الابتلاء، فهذه الملائكة تقوم على تدبير شئون الإنسان بعدل منه سبحانه عندما ابتلاهم بالسجود لآدم ، كذلك استخلف الإنسان في الأرض وكرمه وسخر له من سخره بحكمته سبحانه وتعالى عندما ابتلاهم بعرض الأمانة فرفضتها السماوات والأرض والجبال وحملها الإنسان، والله  يذكرنا بالملائكة وخشيتهم من إفساد الإنسان في الأرض أو القتل وسفك الدماء أنه لو شاء استخلفهم في الأرض بدلا منا لو أننا عصيناه، فقال تعالى:  وَلوْ نَشَاءُ لجَعَلنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ  [الزخرف:60]، قال ابن جرير الطبري: (ولو نشاء معشر بني آدم أهلكناكم فأفنينا جميعكم وجعلنا بدلا منكم في الأرض ملائكة يخلفونكم فيها يعبدونني) ( ) .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://farid2012.board-idea.com
محمد فريد الزهيرى
Admin


ذكر عدد المساهمات : 183
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 10/07/1968
تاريخ التسجيل : 01/09/2011
العمر : 49
الموقع : عقيد المسلم الصحيحه وعقيد والايمان

مُساهمةموضوع: رد: الابتلاء وتحقيق معاني الحكمة الإلهية   الأربعاء يونيو 04, 2014 10:41 pm

• العدل الإلهي وابتلاء الإنسان بوسواس الشيطان .
لما كان أمر الله  للملائكة بالسجود لآدم لا يدل فقط على إقرارهم بخلافة الإنسان في الأرض، بل سوف ينفذون الأمر إذا كلفهم بتدبير شئونه وكذلك العالم من حوله؛ فإن إبليس أبى أن يكون مع الساجدين، واستكبر أن يدخل في جملة المقرين بهذه المنزلة العظمى التي كرم الله  بها الإنسان، فتملكه العلو والاستكبار وأظهر الاعتراض والاستنكار حسدا وحقدا على آدم وذريته، كيف فضلهم الله بمنزلة أعلى من مكانته؟ فلما لعنه الله وطرده من رحمته، وأيقن إبليس بهلاكه وشقوته، وأنه لا محالة ممنوع من جنته أراد أن يحقر من شأن الإنسان، وأن يشكك في حكمة الله وأمره، واستواء عدله في خلقه، وكأنه يقول لربه: إن الذي استخلفته في الأرض ووضعته في هذه المنزلة مخلوق طيني أقل من ذلك، وكنت أنا والملائكة أولى بذلك، فدعني أحيا إلى يوم القيامة أوسوس له فقط بالظلم والطغيان، ومكني من دعوته إلى الكفر والفسوق والعصيان، وسوف ترى صدق كلامي وحقارة الإنسان، ويحكي القرآن ما ذكره الشيطان:  قَال رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  [الحجر:36]، قَال أَرَأَيْتَكَ هَذَا الذِي كَرَّمْتَ عَليَّ لئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَليلاً  [الإسراء:62] .
والله  له مطلق المشيئة في ردعه ومنعه من ذلك لكن مقتضى عدله أنه أمهله وجعله ابتلاء لمن استخلفه وفضله وخوله، لأنه لو منع إبليس من هذه المسألة لصحت دعواه بوجه مقبول، ولكانت له على سائر العقول حجة وسلطان، وقد أقام الله السماوات والأرض على الحق والميزان، قال تعالى:  وَخَلقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِّ وَلتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلمُونَ  [الجاثية/22:21] .
وقد ظهر كمال العدل الإلهي عندما أذن الله للشيطان بالبقاء في دار الابتلاء يوسوس للإنسان بالعصيان من غير إلزام ولا سلطان ( )، وتوعد أتباعه من بني الإنسان بالعذاب والخسران، فقال  مبتليا للشيطان بالإنسان:  قَال فَإِنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ [الحجر/38:37]، فازداد الشيطان حقدا على حقده السابق، وأكد أنه لن يسأم من إغوائه ودعوته إلى الشرك بالخالق:  قَال رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلصِينَ قَال هَذَا صِرَاطٌ عَليَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي ليْسَ لكَ عَليْهِمْ سُلطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لكُل بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ  [الحجر: 39/44] .
ولما نزل الخبيث إبليس وضع لنفسه عرشا على الماء ليتشبه في استواءه باستواء الله على عرشه في السماء، وجعل نفسه إلها لأتباعه من العصاة، وحبب إلى نفسه من جنسه أسوأ الدعاة، وجلس على عرشه ليبعث في الأرض سراياه، كما ورود عند مسلم من حديث جابر بن عبد الله  أنه سمع رسول الله S يقول: (يَبْعَثُ الشَّيْطَانُ سَرَايَاهُ فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً) ( )، وفي رواية أخرى عند مسلم قال S: (إِنَّ إِبْليسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلى المَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا قَال: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَال: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ) ( ) .
• حقيقة القرينين الذين يهتفان بلمتين.
لما لعن الله  إبليس وطرده من رحمته، وأيقن الملعون بهلاكه وشقوته، وأنه لا محالة ممنوع من جنته، أراد أن يحقر من شأن الإنسان حقدا وانتقاما، وأن يشكك في حكمة الرحمن عنادا وإلزاما، وادعى أن الله استخلف الإنسان وهو لا يستحق هذه المنزلة، وأنه مع الملائكة أنسب منه لهذه المسألة، فطلب الحياة والبقاء إلى يوم القيامة يوسوس للإنسان بالظلم والطغيان، ويدعوه إلى الكفر والفسوق والعصيان ليثبت صدق كلامه وحقارة الإنسان، فكان من عدل الله كما تقدم أنه أمهله .
ومن عدل الله وحكمة التدبير أنه لما أوجد في كل إنسان منا نازعين نفسيين متقابلين ومتضادين، وباعثين على سلوك أحد النجدين، ليس لأحدهما غلبة على الآخر، نازع يدعوه إلى الطاعة وفعل الخير، وآخر يدعوه إلى المعصية وفعل الشر، والإنسان حر بينهما في الاختيار كما قال رب العزة والجلال:  وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ  [البلد:10]، وقال أيضا:  وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا  [الشمس:10:7]، فإذا سمح الله للشيطان أيضا أن يوسوس للإنسان بالعصيان واتفق الشيطان مع نازع الشر في الإنسان، كلاهما يدعوان إلى الكفر والعصيان ألا تكون دواعي الشر في الإنسان أقوى من دواعي الخير فيه؟ أليس للعاصي أن يحتج على الله  يوم القيامة بأن نازع الخير فيه كان وحيدا، وأن غلبة دواعي الشر كانت ظلما شديدا، ومن ثم اختل بذلك الميزان وأصبح لها ركنان أحدهما نازع الشر والآخر الشيطان، فهي بذلك أقوى في الإنسان من دواعي الخير والإيمان، ومن ثم يطالب ربه بإسقاط العذاب عنه؟
ومن هنا ظهرت حكمة الله  في كل إنسان وبلغت حجته إلى ما تحار فيه الأذهان فمن عدله أنه جعل الإنسان على مستوى الكمال ظاهرا وباطنا في قمة الاعتدال فقال رب العزة والجلال:  يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ الذِي خَلقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ  [الانفطار:8:6]، فكلف الله بكل إنسان ملكا قرينا، وأمره أن يلازم الإنسان كملازمة القرين من أبناء الشيطان لا يفارقه إلا إذا فارق دار الامتحان .
وأمره أيضا أن يدعوه إلى الخير ويحضه عليه كما أن الشيطان يدعوه إلى الشر ويحضه عليه، فيستوي بذلك مقدار الدواعي في الإنسان، ولا يكون لأحد من أهل العصيان حجة على الله يوم القيامة، فالله  كما هداه النجدين وركب فيه نازعين نفسيين متقابلين ومتضادين ليس لأحدهما غلبة على الآخر، وكّل بالإنسان أيضا قرينين هاتفين مرغبين بلمتين ليس لأحدهما سلطان على إرادة الإنسان، فبات مقدرا لكل منا بحكمة الله وعدل الميزان قرينان داعيان هاتفان مرغبان إما في الخير وإما في الشر .ولم يستثن الله  أحدا من ذلك حتى سيد ولد آدم S، فعند مسلم من حديث عبد الله بن مسعود  أن رسول الله S قال: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَقَدْ وُكِّل بهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ المَلائِكَةِ، قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُول الله، قَال: وَإِيَّايَ وَلكِنَّ الله أَعَانَنِي عَليْهِ فَلا يَأْمُرُنِي إِلا بِحَقٍّ) ( ) .
وليس كل ما جعله الله للإنسان من عوامل الأمان ليحميه من كيد الشيطان أنه كلف ملكا قرينا يهتف له بالإيمان في مقابل هتافه بالعصيان، ولكن الله  حفظ الإنسان وأمنه من كيد الشيطان بأمور أخرى كثيرة منها:
1- أن الله فتح باب التوبة للإنسان مهما بلغ به كيد الشيطان ما لم تغرغر النفس أو تطلع الشمس من مغربها، روى الإمان أحمد وصححه الشيخ الألباني من حديث أبي سعيد الخدري  قال: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ S يَقُولُ: إِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ لِرَبِّهِ بِعِزَّتِكَ وَجَلاَلِكَ لاَ أَبْرَحُ أُغْوِي بَنِي آدَمَ مَا دَامَتِ الأَرْوَاحُ فِيهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ: فَبِعِزَّتِي وَجَلاَلِي لاَ أَبْرَحُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُوني) ( ) .
وعند مسلم من حديث أبي موسى الأشعري  أن النبي S قال: (إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَل يَبْسُطُ يَدَهُ بِالليْل ليَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ ليَتُوبَ مُسِيءُ الليْل حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) ( )، وعند الترمذي وحسنه الألباني من حديث ابن عمر  أن النبي S قال: (إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لمْ يُغَرْغِرْ) ( ) .
ولو اتبع الإنسان الشيطان وتمادى في الجرم والعصيان فقتل مائة نفس وأراد التوبة والغفران تاب الله عليه وقبل منه الطاعة والإيمان. ولو تكرر العصيان من الإنسان وتكررت منه التوبة وطلب الغفران تاب الله عليه.
2- أن الله  كما وعد بقبول التوبة عند رجوع الإنسان عن العصيان، فإنه بفضله وكرمه سيبدل للتائبين عدد ما فات من السيئات بنفس أعدادها حسنات، دل على ذلك قوله تعالى:  فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا  [الفرقان:68/71] .
3- أنه سيعامل المؤمنين بفضله وسيحاسب الكافرين بعدله، والعدل أن يستوي العمل مع الجزاء، والفضل أن يفوق الجزاء العمل.
4- أن الله سيفرح بتوبة عبده فرحا شديدا ترغيبا للإنسان وتبكيتا للشيطان؛ فإن المذنب مخطئ في جنب الله، وعظم الذنب يقاس بعظم من أخطأ في حقه، فلو قبل الله توبة المذنب فإن مجرد القبول فقط كرم بالغ من الله عليه فما بالنا وهو يقبل توبة المذنب بعفو جديد وفرح شديد. وفي مقابل توبة الإنسان وسجوده لرب العالمين يبكي الشيطان بكاء النادمين فعند مسلم من حديث أبي هريرة  أن النبي S قال: (إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَل الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلهُ الجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَليَ النَّارُ) ( ) .
5- أن الله تكفل بإيقاف الشيطان وإخناسه عند استعاذة الإنسان من وسواسه فقال سبحانه وتعالى:  وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَليمُ  [فصلت:36]، وكان يمكن أن يقال: إذا نزغك الشيطان فقاومه بما استطعت من أسلحتك الفكرية ودلالاتك العقلية لكن فضل الله على الإنسان كان عظيما .
6- أن الله وعد الإنسان ألا يعذبه إلا إذا بعث له رسولا يذكره بالشيطان وعداوته للإنسان فقال:  وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولا  [الإسراء:15]، ولو فرض أن إنسانا انقطعت به أسباب العلم بحقيقة الشيطان وعداوته، ولم يعلم منهج الله في أرضه وأمانته، ولم يسمع عن الإسلام ورسالته فإنه معذور بجهالته لاجتماع الأدلة على ذلك .
وكل هذا الفضل الذي منحه الله للإنسان ليحميه من كيد الشيطان يضاف إلى الملك القرين الذي يدعوه بإذن الله إلى الخير والإيمان، فأي كمال أفضل من هذا البيان؟ قال تعالى:  وَخَلقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِّ وَلتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلمُونَ  [الجاثية:22]، بعد أن تمت معاني الحكمة في قيام السماوات والأرض مسخرات بالحق، وتمييز الإنسان عن غيره من خلال ابتلائه بالأمانة واستخلافه في الأرض، وإعداد العالم وفق نظام بديع يسمح له بهذه الخصوصية أخذ الله العهد والميثاق على الذرية، فما حقيقة أخذ الميثاق؟ ولماذا أخذه الله عليهم؟ ولم لا نذكر شيئا عنه؟
 لماذا الذي أخذ الله الميثاق على الذرية؟
ورد في القرآن والسنة ما يبين أن الله  أخذ العهد والميثاق على الإنسانية جمعاء قال تعالى:  وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلكُنَا بِمَا فَعَل المُبْطِلُونَ  [الأعراف/174:172] .
وعند أحمد وحسنه الشيخ الألباني من حديث أبي بن كعب  أنه قال فِي معنى هذه الآية: (جَمَعَهُمْ فَجَعَلهُمْ أَرْوَاحًا، ثُمَّ صَوَّرَهُمْ فَاسْتَنْطَقَهُمْ فَتَكَلمُوا، ثُمَّ أَخَذَ عَليْهِمُ العَهدَ وَالمِيثَاقَ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَال: فَإِنِّي أُشْهِدُ عَليْكُمُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ، وَالأرَضِينَ السَّبْعَ، وَأُشْهِدُ عَليْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ عَليْهِ السَّلام، أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ لمْ نَعْلمْ بِهَذَا، اعْلمُوا أَنهُ لا إِلهَ غَيرِي وَلا رَبَّ غَيْرِي فَلا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، وَإِنِّي سَأُرْسِلُ إِليْكُمْ رُسُلي يُذَكِّرُونَكُمْ عَهدِي وَمِيثَاقِي وَأُنْزِلُ عَليْكُمْ كُتُبِي، قَالُوا: شَهدْنَا بِأَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلهُنَا لا رَبَّ لنَا غَيْرُكَ، فَأَقَرُّوا بِذَلكَ) ( ) .
يخبرنا الله  أنه أخذ العهد والميثاق على ذرية آدم قبل نزولهم إلى الأرض، ولم يخبرنا كيف تم ذلك؟ أو كيف أوقفهم بين يديه كالذر؟ لكن المسلم يصدق خبر الله  ويؤمن به وأن ذلك تم كما قال، فالأمور الغيبية نؤمن بحقائقها ولا نسأل عن الكيفية ولو حاولنا التماس العلة التي من أجلها أخذ الله العهد والميثاق على سائر الذرية، فيمكن بيان ذلك من وجهين:
الوجه الأول: إقامة الحجة على سائر الذرية، وإقرارهم بما قبله أبوهم في قضية الابتلاء والأمانة والاستخلاف، لأنه ربما يحتج فرد من الناس بأنه لم يكن يرغب أساسا في أن يكون مستخلفا في الأرض على وجه الأمانة والابتلاء، أو أن يكون محاسبا مسئولا مخيرا في الحياة بين نجدين مطروحين أمام إرادته، نجد يسمى طريق الخير ويؤدي إلى النعيم المقيم في دار الجزاء، ونجد يسمى طريق الشر ويؤدي إلى العذاب والشقاء، فقد يقول قائل من الذرية: موافقة آدم  على قبول الأمانة وتحمل المسئولية لا يلزمني ولا تعنيني، لأنني لم أشارك في ذلك، ومن ثم كانت حكمة الله تعالى في استخراجهم جميعا، وإيقافهم بين يديه وإقرارهم بحجته عليهم، وهو سبحانه قادر على جبرهم وإلزامهم بالتكليف قهرا، لكن الله  له الحجة البالغة والسطوة الدامغة، أشهدهم على أنفسهم بكمال حكمته وقيام حجته فقالوا جميعا: شهدنا على أنفسنا أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، ولا معبود بحق سواك، وقد ذكرهم ألا يغفلوا عن عهدهم وميثاقهم يوم القيامة، وقد علم الله من سيصدق في عهده ومن هو كاذب في وعده، وانفرد سبحانه وتعالى بعلم أهل الجنة منهم وأهل النار؟
الوجه الثاني: أن العهد والميثاق كان لتعريف الحقوق بين الخالق والمخلوق، وبيان دورهم ووظيفتهم التي من أجلها كرمهم الله ورفع درجتهم وميزهم عن غيرهم، وأنهم مستخلفون في أرضه أمناء في ملكه ليبلوهم أيهم أحسن عملا، فعرفهم جميعا حق الله عليهم وحقهم عليه؛ فحق الله عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحقهم عليه ألا يعذبهم إذا فعلوا ذلك، أشهدهم على أنفسهم وسألهم جميعا ألست بربكم؟ قالوا: بلى، إقرارا منهم لما انفرد به من حقائق العبودية، وأنه منفرد بالخلق والأمر وتوحيد الربوبية، لا إله إلا هو ولا رب سواه، وهو وحده مالك الملك لأنه وحده الذي خلق الكل، منفرد بإنشاء العالم وتنظيمه على هذه الهيئة البديعة، ولن يقبل منهم أن يتخذوا شريكا له في ملكه أو منازعا له في تدبير خلقه، ولن يقبل منهم عملا فيه نصيب لغيره كما قال سبحانه وتعالى:  إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلكَ لمَنْ يَشَاءُ  [النساء:48]، ومن ثم فإن الشرك لكونه ظلما عظيما أخذ الله العهد والميثاق على الإنسانية قبل نزولهم إلى الأرض، فإن ادعى أحد بعد ذلك أن الله له شريك في الملك، أو له معين في تدبيره السماوات والأرض فقد وقع في الظلم العظيم وعطل دور الإنسان، ولم يوفق في الابتلاء وأداء الأمانة .
ولن يفلح وقتها احتجاج بالنسيان أو ادعاء التبعية للآباء في سالف الزمان، فوجب عليه أن يراعى في قوله وعمله الخوف من الله وحده لأنه صاحب الأمانة وخالقها وولي النعمة ومالكها، وما سواه لا يملك شيئا بل هو مجرد أمين مستخلف في الحياة.
وهذا الميثاق أساس الفطرة في كل إنسان؛ فالفطرة التي فطر الله الخلائق عليها اقتضت أن تلجأ النفوس إلى قوة عليا عند ضعفها، وتطلب غنيا أعلى عند فقرها، وتوابا رحيما عند ذنبها، وسميعا قريبا بصيرا مجيبا عند سؤالها، وكل ذلك يدعو النفس إلى الإسلام والتوحيد، والعودة إلى بالضرورة إلى الملك ذي العرش المجيد .
ومثل هذا الإحساس الفطري كامن في النفس وإن لم يعلنه الشخص، فإن خلا القلب من موانع الطبع والتأثر بالاعتقادات الشركية المألوفة فإن قلبه يتوجه تلقائيا إلى ربه، وقد صح عند البخاري من حديث أبي هريرة  أن النبي  قال: (ما من مَولودٍ إلاَّ يولدُ على الفِطرةِ، فأَبَواهُ يُهوِّدانه أو يُنَصِّرانهِ أو يُمجِّسانهِ، كما تُنْتَجُ البَهيمةُ بَهيمةً جَمْعاءَ، هل تُحِسُّونَ فيها مِن جَدْعاءَ؟) ( ) .
• لماذا أنسانا الله عز وجل الميثاق؟
أخذ الله الميثاق على الإنسانية تحقيقا للعدل والحكمة؛ فلا يحتج أحد بأن الأمانة عرضت على آدم  ولم تعرض عليه، فلما أشهدهم على أنفسهم أقروا بحكمة ربهم وأنهم محاسبون على أفعالهم كما هو حال أبيهم، وقد حدثت وقت أخذ الميثاق على الذرية أمور تتعلق بمراتب القدر وأنواع التقدير وما رتبه الله  في خلقه من أمور الصنعة ولوازم التدبير، ولو أن الله أبقى في ذاكرة الإنسان أحداث الميثاق بالتفصيل لبطلت حكمته في خلقه، وتعطل سر قضائه وقدره؛ فالقدر سر الله في خلقه لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل .
 هل يكفي الميثاق لإقامة الحجة على العباد؟
لا يكفي أخذ الميثاق لإقامة الحجة على العباد، ولو تذكرناه بمفردنا دون وحي سماوي لكان كافيا، فقد أخبر الله أنه لم يكن ليعذبهم حتى يبعث إليهم رسولا . وهذا يدل على إبطال قول من قال بقيام الحجة لمجرد العقل دون ورود السمع كالقدرية أو قيام الحجة لمحض المشيئة كما تقول الجبرية ( )، فالله  قال في كتابه:  وَلوْ أَنَّا أَهْلكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلهِ لقَالُوا رَبَّنَا لوْلا أَرْسَلتَ إِليْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْل أَنْ نَذِل وَنَخْزَى  [طه:134].
قال ابن تيمية معقبا على هذه الآيات: (فهذا يبين أنه لم يكن ليعذب الكفار حتى يبعث إليهم رسولا، وبين أنهم قبل الرسول كانوا قد اكتسبوا الأعمال التي توجب المقت والذم وهي سبب للعذاب، لكن شرط العذاب قيام الحجة عليهم بالرسالة) ( ) .
والإنسان مسئول عن السبب في جهله، فإن كان الجهل من كسبه وسعيه وإعراضه وكبره فهو محاسب على كل معصية وقع فيها بجهله، سواء كانت المخالفة مخالفة عظيمة تؤدي إلى الخلود في النار، أو كانت المخالفة كبيرة تحت مشيئة الجبار، إن شاء غفرها لعبده وإن شاء عذبه بذنبه، أما إذا انقطعت به الأسباب وانسدت في وجهه الأبواب ولم يتمكن من معرفة ما نزل به الكتاب بعد الطلب والبحث والسؤال ولم يعص الله  فيما قال:  فَاسْأَلوا أَهْل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلمُونَ  [النحل:43]، فهو باتفاق معذور بجهله لا يؤاخذ على ذنبه لأن الجهل ليس من كسبه وسعيه، بل هو من تقدير الله وفعله؛ والقصد أنه تعالى لا يعذب أحدا إلا بعد بلوغ الرسالة، وإعراضه عن الهداية إلى الضلالة لئلا يكون له حجة على الله في نفي العدالة، ومعلوم من صحيح السنة أنه لا أحد أحب إليه العذر من الله .
والميثاق وإن كانت الحجة لا تقوم به بمفرده ولكن الله من حكمته أنه يذكر المشركين به يوم القيامة تبكيتا لهم فيذكرونه، فعند البخاري من حديث أنس بن مالكٍ  أن النَّبِيِّ  قَال: (يَقُولُ اللهُ تَعَالى لأَهْوَنِ أَهْل النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ: لوْ أَنَّ لكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلبِ آدَمَ أَنْ لا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا فَأَبَيْتَ إِلا أَنْ تُشْرِكَ بِي) ( ) .
• الإنسان من جنة الابتلاء إلى دار الجزاء .
بدأت قصة الخليقة بإسكان آدم  وحواء في جنة الابتلاء تحقيقا لمعاني الأمانة والاستخلاف فشرع الله  لهما أمرا تكليفيا ابتلائيا واحدا، وهو تحريم الأكل من شجرة محددة دون بقية الأشجار لحكمة يعلمها رب العزة والجلال، فقال تعالى:  وَقُلنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالمِينَ  [البقرة35]، فهذا أمر تكليفي وحكم تعبدي كسائر أحكام الابتلاء الموجه إلى ذرية آدم وحواء . والزمن الذي بقي فيه آدم  في الجنة لا يقاس بحساباتنا الأرضية، وإنما يقاس على الأحقاب الزمنية أو الأيام الستة التي بنى الله  فيها الكون، فقد ثبت النص عن النبي  أن آدم دخل الجنة يوم الجمعة، وأخرج منها أيضا في يوم الجمعة ولا يلزم أن يكون الدخول والخروج في يوم واحد، وإنما أيام جمعة متعددة، لما ورد عند النسائي وصححه الشيخ الألباني من حديث أبي هريرة  أن رسول الله  قال: (خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ وَهِىَ تُصْبِحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُصِيخَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلاَّ ابْنَ آدَمَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لاَ يُصَادِفُهَا مُؤْمِنٌ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ يَسْأَلُ اللهَ فِيهَا شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ) ( ) .
وعلى فرض أنه أدخل وأخرج في يوم واحد فقد علمنا أن اللحظات الغيبية ربما تساوي حقبا زمنية مرت على الأرض في مجموعتنا الشمسية التي أعدت من أجل الإنسان، ويعلم الله  ماذا كان حال الأرض ومن عليها من الدواب وقت سكن الأبوين في الجنة، لكن المؤكد عندنا أنها كانت قد سخرت للإنسان بعد قبوله الأمانة، وكانت مدحوة والجبال مثبتة راسية تتحرك عليها الداوب المنقرضة وغير المنقرضة بين الأشجار والأنهار .
والعلة من وجود آدم  وحواء في الجنة تماثل العلة من وجود الإنسان في الدنيا سواء بسواء وهي علة الابتلاء، أما الجنة فهي في الآخرة دار نعيم وجزاء، وشتان بين العلتين وتحقيق الحكمة في الوضعين، ولا ندري كيف تم وسواس الشيطان للإنسان في جنة الابتلاء، ونحن نؤمن به لورود الخبر، وحكمه في ذلك حكم كيفية الوسواس التي تحدث منه لسائر البشر، فالإنسان ابتلاه الله  بالشيطان فوسوس لآدم وزوجته بالعصيان فأكلا من الشجرة، وانكشفت العورة، وتطلبت الفطرة فرجا ومخرجا، فخرجا من جنة الابتلاء إلى أرض الابتلاء، وعلمهما الله  ما يدعوان به من مقتضى الأسماء، فتابا وأنابا وسيعودا بالطاعة وأداء الأمانة إلى نعيم الجنة ودار الجزاء، قال تعالى:  فَأَزَلهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلى حِينٍ فَتَلقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلمَاتٍ فَتَابَ عَليْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قُلنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَليْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالدُونَ  [البقرة:36/39] .
• الابتلاء وتحقيق معاني الحكمة الإلهية .
وأصل الابتلاء أنه يحقق معاني الحكمة الإلهية ويبين حقيقة العدل في استخلاف الله للإنسانية، والابتلاء له في الحقيقة شقان: الأول فعل الله  بخلقه وقدره المحتوم على الإنسان، والثاني موقفنا من فعله سواء بالطاعة والإيمان أو الكفر والعصيان، فمن أجل الابتلاء أخفى الله موعد الموت والانتقال إلى دار الجزاء، فقال تعالى:  إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى  [طـه:15] .ومن أجل الابتلاء جعل الله سائر الناس متفاوتين في الآجال والملك والمال وسائر الأرزاق والأخلاق؟ ومن أجله حجب عنا عالم الغيب فلا نرى الله  ولا نرى ملائكته ولا نرى الجنة أو النار، ولا نسمع صراخ المعذبين في القبور، فالإنسان يسمع ويرى ولكن في حدود معينة، فإن تجاوزها أصبح قوله رجما بالغيب، وقولا على الله بلا علم وقد حرمه الله عز وجل فقال:  وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئولاً  [الإسراء:36] . وكذلك القول فيما لا نراه من الملائكة والجن أو الجنة والنار؛ فإن الله حجب عنا ذلك تحقيقا لمعنى الابتلاء، فكيف سنكلف بالإيمان بهذه الأشياء ونحن نراها بمداركنا، فلا معنى عند ذلك لوجود الرسل والشرائع، ولا معنى أن يكون المؤمنون بالغيب هم المفلحون، ومن ثم فإن الابتلاء يفسر لنا قصور أجهزة المكلفين، وتمام الحكمة في خلق المستخلفين؛ فالإنسان وإن كان مخلوقا عارفا مدركا إلا أن مدركاتِه قاصرةُ على العالم المحسوس فقط، فليس من المعقول أن يكون على الأرض ابتلاء والإنسان المبتلى يمكن أن يرى النار وعذابها أو يسمع شهيقها وزفيرها، فإن هذا يناقض الحكمة والكمال، وليس ذلك وصف رب العزة والجلال .
ومن ثم فإن الله  حجب الذرية تحت غطاء كوني شامل يحجب عالم الشهادة عن عالم الغيب، ويمنع عن الإنسانية معرفةَ الأمور الغيبية التي تقع على الأرض كصراخ المعذبين في قبورهم وكرؤية الملائكة المدبرين لأمورهم، وكرؤية الجن الملتفين من حولهم، أو الشياطين المتهيئين لإضلالهم؛ لأنهم لو رأوا ذلك بأعينهم لذهبت العلة في امتحانهم وضاع معنى استئمانهم واستخلافهم، ولن يكون هناك فضل لاجتهادهم أو المسارعة إلى الإيمان بربهم إذ الكل في كشف الغطاء والحجاب سواء، ولذلك فإن هذا الغطاء يرفع عن الإنسان بمجرد الانتهاء من فترة الابتلاء، قال تعالى عن الكافر إذا حان اللقاء:  لقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ  [ق:22] .
انتهت دورة منة القدير
في توحيد الربوبية والإيمان بالقضاء والقدر والحكمة والتدبير
ولله الحمد والمنة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://farid2012.board-idea.com
 
الابتلاء وتحقيق معاني الحكمة الإلهية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى العقيده والإيمان بفهم السلف :: التوحيد :: التوحيد والعقيده-
انتقل الى: